قطعة التمركز
ان تمركز الإنسان من أبرز أوليات الطبيعة البشرية وهذا التمركز جعل الإنسان يتوهم أن الأرض هي مركز الوجود فيعتقد أن كل الأفلاك تدور حولها ثم اتضح له بعد الاف السنين أن هذه الأرض ليست سوى هبة في هذا الكون المذهل وكلما تقدمت علوم الإنسان اكتشف المزيد من الآفاق والمنظومات الهائلة كما أن هذا التمركز قد أوهمه بأنه مقياس الأشياء فالنافع هو ما سكان نافعا له حتى لو كان يضر غيره والضار هو ما كان ضارا به حتى لو كان نافعًا لغيره فالخير في نظره هو ما كان خيراً بالنسبة له والشر هو ما كان شرا بالنسبة له ومن هنا أعترض الملحدون على وجود الشر في الحياة وبرروا به الحادهم ونسوا أن الإنسان ليس سوى خلق واحد من مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى وأنهم والأرض التي تحملهم ليسوا سوى ذرة في هذا الكون المدهش في اتساعه وضخامته ، وهذا التمركز يؤدي إلى الجمود
إن تمركز الإنسان سواء على مستوى الفرد أم على مستوى الدوائر الكبري هو من أعمق أسباب الجهل والظلم والتخلف فهو على المستوى البشرى قد أوقع الإنسانية في أوهام كثيرة صرفته عن رؤية الكثير من الحقائق ثم إن هذا التمركز الأولي التلقائي يتفرع إلى دوائر كثيرة مغلقة تبدأ بدائرة الفرد وأفراد عائلته ، ثم إلى جيرانه ومحيط حيه ومن ثم مجتمعه ودولته ، حيث تتضخم حقوقه في نفسه كما تنتفخ في نظره مزاياه ومقابل ذلك تتضاءل الواجبات وتختفي النقائص فهو يرى حسناته ولا يبصر سيئاته وتلك أحد فروع التمركز الأولى ، وبالمقابل يضخم نقائص غيره ويقلل من أهمية مزاياهم ويركز على تحقيق رغباته ولا يرى ما يسببه هذا التركيز من أضرار بالآخرين كما أنه يتجاهل رغبات ومصالح وطموحات غيره .
إن بعض المجتمعات المتخلفة حين يتوفر لها الرخاء المؤقت الذي لم يكن من إنتاجها وإنما كان فيضاً من أرضها تتوهم أنها مزدهرة وتتجاهل أن مخزون أرضها هو الذي مكنها مؤقتا من أن تستورد منتجات المجتمعات المتقدمة وبهذا التجاهل غفلت عن كلالها وعميت عن عجزها وتوهمت أنها مزدهرة وأنها تشارك في المسيرة الحضارية مع أنها ليست سوى مستهلك حامل كسول يتصف بالكبر ويشتري إنتاج المزدهرين ما دام يملك مؤقتا الثمن الذي أغدقته عليه أرضه فإذا نضبت الموارد الطبيعية في أرضه فسوف يعود إلى الفقر والجدب والضياع لقد استجلبت هذه المجتمعات التقنيات والمنتجات والعلوم من المجتمعات المزدهرة واقتبست شكليات التعليم وعممت المدارس وأنشأت الجامعات وأقامت مراكز البحث العلمي على النمط الغربي المزدهر ولكن التمركز الثقافي أبقى العلوم منفصلة عن حركة المجتمع وأبقى الثقافة الحديثة خارج البنية الذهنية العامة فالتعليم لم يؤثر في عقل المجتمع ولا في طريقة تفكيره ولا في بنية ثقافته وانما بقي طلاء خارجياً يعين نسبيا على الممارسات المهنية الرتيبة لكنه لا يؤهل لعمق الإدراك ولا لامتداد الرؤية ولا لشمول النظر ولا يفسح المجال للرؤى والأعمال الإبداعية ولا للفكر النقدي ، وهذا الانغلاق يؤدي إلى الركون والجمود .
أما النمط الثاني من الثقافات فهو القائم على الامتداد والانفتاح على الأفاق فهو لا يتمركز حول نفسه ولا يدعي الكمال ولا يتوهم الاكتفاء وإنما يغذي ذاته من كل الاتجاهات ويرويها من كل الروافد ويأخذ في أحكامه ورؤاه ومواقفه بمبدأ التغليب والترجيح لأنه يؤمن باستحالة الكمال لأي كائن في هذه الحياة الدنيا ويعترف بالنقائص البشرية ويدرك التداخل بين الأشياء والصفات ويعلم أن معارف البشر في معارف نسبية قائمة على الاحتمال الراجح وليس على اليقين القاطع وترتب على هذا الإدراك أنه اعتبر كل المسلمات البشرية والعلوم والتصورات والأوضاع والنظم والعادات والتقنيات ليست نهائية وانما هي قابلة للمراجعة الدائمة والتصحيح المستمر كما أن هذا النمط الثقافي المنفتح يدرك أن أحكام الناس وأراءهم مغموسة بالأهواء والأخطاء والهفوات والتحيزات والرغبات والمصالح وأن كل الاحتمالات واردة بشأنها وأنه لا يمكن الوثوق المطلق بما يصدر حتى عن الممتازين من الناس مهما بلغت الثقة بهم فكل صفات البشر واحكامهم وأعمالهم و آرائهم خاشعة للقصور الملازم لكل الناس فلا أحد معصوم من الخطأ ولا أحد يعلو على المراجعة ولا أحد فوق النقد .
إن هذا النمط الثقافي المنفتح والنامي والمتجدد يؤمن بأنه لا يوجد في هذه الدنيا كمال مطلق أبداً ولا اجتماع تام بين الناس لذلك فإنه يعتمد مبدأ التغليب والترجيح في حل الخصومات وفي الحكم على النظم والمعارف والأشياء والأشخاص والأفكار والأعمال والأوضاع ويدرك التدرج والتدخل بين الخير والشر وبين الصواب والخطأ وبين المزايا والنقائص وبين الصلاح والفساد وبين النفي والإثبات إنه النمط الذي تأصل فيه الفكر النقدي واعتمد آلية المواجهة الدائمة بين الاتجاهات لتصحيح الأفكار والآراء وتعديل المواقف والاتجاهات وتطوير العلوم والتقنيات وتحسين الأوضاع والمؤسسات.
إن من أهم المبادئ والممارسات التي ازدهر بها الغرب هو الأخذ بمبدأ التغليب والترجيح فهم لا يدعون الكمال لأنفسهم ولا لأعمالهم ولا لمعارفهم ولا يتوقعون الكمال لأي شيء في هذه الدنيا وهذا الشعور بالبعد عن الكمال هو أحد حوافز العمل فهم يواصلون الجيد دون كلل ويعتبرون الكمال في الفكر والفعل حلما يستحيل تحقيقه ولا بد من الاستمرار في ملاحقته للوصول إليه ، كما أن أحكامهم تأتي ترجيها وليس قطعا ومهما بلغت درجة التحقق فان باب المراجعة يظل مفتوحا بل إن بعض مفكري الغرب مثل كارل بوبر يرون أن قابلية النقض وليس قابلية التحقق هي التي تميز العلم .