قطعة الرجولة
لعل من أهم الفروق التي تميز المسلمين في أول أمرهم وفجر حياتهم عن المسلمين اليوم، "خلق الرجولة" ، فقد غني العصر الأول بمن كانوا هامة الشرق وغرة المجد ، وعنوان الرجولة. تتجلى هذه الرجولة في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .. فحياته كلها سلسلة من مظاهر الرجولة الحقة والبطولة الفذة إيمان لا تزعزعه الشدائد وصبر على المكاره، وعمل دائب في نصرة الحق، وهيام بمعالي الأمور، وترفع عن سفاسفها حتى إذا قبضه الله إليه لم يترك ثروة كما يفعل ذو السلطان، ولم يخلف أعراضاً زائلة كما يخلف الملوك والأمراء، إنما خلف مبادى خالدة على الدهر كما خلف رجالا يرعونها وينشرونها، ويجاهدون بأموالهم وأنفسهم من أجلها.
وتاريخ الصحابة ومن بعدهم مملوء بأمثلة الرجولة فأقوى ميزات "عمر" أنه كان رجلا " لا يراعي في الحق ،كبيرا، ولا يبالي عظيما أو أميرا يقول في إحدى خطبه أيها الناس إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى أخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى اخذ الحق منه".
وينطق بالجمل في وصف الرجولة فتجري مجرى الأمثال، كان يقول: "يعجبني الرجل إذا سيم خطة ضيم أن يقول (لا) بملء فيه".
ويضع البرامج لتعليم الرجولة فيقول: "علموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليتبوا على الخيل وثبا، ورووهم ما يجمل من الشعر. ويضع الخطط لتمرين الولاة على الرجولة، فيكتب إليهم اجعلوا الناس في الحق سواء قريبهم كبعيدهم ، وبعيدهم كقريبهم ، إياكم والرشا والحكم بالهوى، وأن تأخذوا الناس عند الغضب من أجل هذا كله كان هذا العصر مظهرا للرجولة في جميع نواحي الحياة تقرأ تاريخ المسلمين في صدر حياتهم فيملؤك روعة، وتعجب كيف كان هؤلاء البدو وهم لم يتخرجوا في مدارس علمية، ولم يتلقوا نظريات سياسية، حكامًا وقادة لخريجي العلم و وليدي السياسة - إنما هي الرجولة التي بنها فيهم دينهم وعظما زهم، هي التي سمت بهم وجعلتهم يفتحون أرقى الأمم مدنية وأعظمها حضارة ثم هم لا يفتحون فتحا حربيًا يعتمد على القوة البدنية وكفى، إنما يفتحون فتحا مدنيا إداريًا منظماً يعلمون به دارسي العدل كيف يكون العدل، ويعلمون علماء الإدارة كيف تكون الإدارة، ويلقون بعملهم درسا على العالم، أن قوة الخلق فوق مظاهر العلم، وقوة الاعتقاد في الحق فوق النظريات الفلسفية والمذاهب العلمية، وأن الأمم لا تقاس بفلا سفتها بمقدار ما تقاس برجولتها. هل سمعت عطفا على الرعية، وأخذ الولاة بالحزم كالذي روى عنه أو هل سمعت قولا في العدل يحققه العمل كالذي يقوله عمر إذا كنت في منزلة تسعني وتعجز الناس، فوالله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوة للناس ؟
أو هل رأيت حزما في الإدارة كالذي فعل في مسح سواد العراق وترتيب الخراج، وتدوين الدواوين، وفرض العطاء.
حقا لقد كان عمر في كل ذلك رجلا ، ولئن كان هناك رجال قد امتصوا رجولة غيرهم، ولم يشاء وا أن يجعلوا رجالا بجانبهم، فلم يكن عمر من هذا الضرب، إنما كان رجلا يجعل بجانبه رجالا، فأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص والمثنى بن حارثة ، وكثير غيرهم كانوا رجالا نفخ فيهم عمر من روحه كما نفخ فيهم الإسلام من روحه، وأفسح لهم في رجولتهم، كما أفسح لنفسه في رجولته.
ولم يضن التاريخ على المسلمين من حين لآخر برجال لفتوا وجه الدهر، وغيروا مجرى الحوادث، ودفعوا عن قومهم الخطوب، وأنزلوهم منزل العز والمنعة تضيق عن وصف أعمالهم الرسائل والكتب.
ثم توالت الأحداث، وتتابعت النوب تقل من شوكتهم، وتفت في رجولتهم ، حتى رأيناهم بذلوا الشرف للمال، وقد كان آباؤهم يبذلون المال للشرف، ولم ينظروا إلا إلى أنفسهم وذوي قرابتهم، وكان أبا وهم ينظرون إلى دينهم وأمتهم، وتفرقوا شيعا وأحزاباً يذوق بعضهم بأس بعض، فكانوا حربا على أنفسهم بعد أن كانوا جميعًا حربا على عدوهم ورضوا في الفخر أن يقولوا: "كان آباؤنا" مع أن شاعرهم يقول إذا أنت لم تخم القديم بحادث من المجد لم ينفعك ما كان من قبل ، وناثرهم يقول: "لم يدرك الأول الشرف إلا بالفعل، ولا يدركه الآخر إلا بما أدرك به الأول" و رأينا خير ما في الأمم حاضرها و خير ما فينا ماضينا .
أريد بالرجولة صفة جامعة لكل صفات الشرف ، من اعتداد بالنفس واحترام لها، وشعور عميق بأداء الواجب، مهما كلفه من نصب، وحماية لها في ذمته من أسرة وأمة ودين ، وبذل الجهد في ترقيتها والدفاع عنها والاعتزاز بها، وإباء الضيم لنفسه ولها. وهي صفة يمكن تحقيقها مهما اختلفت وظيفة الإنسان في الحياة. فالوزير الرجل من عد كرسيه تكليفا لا تشريفا، ورآه وسيلة للخدمة لا وسيلة للجاه، أول ما يفكر فيه قومه، وآخر ما يفكر فيه نفسه، يظل في كرسيه ما ظل محافظا على حقوق أمته وأسهل شيء طلاقه يوم يشعر بتقصير في واجبه، أو يوم يرى أن غيره أقوى منه في حمل العبء، وأداء الواجب يجيد فهم مركزه من أمته ومركز أمته من العالم ، فيضع الأمور مواضعها ويرفض في إباء أن يكون يوما ما عونا للأجنبي عليها ، فإذا أريد على ذلك قال: "لا" بملء فيه، فكانت لا منه خيرًا من ألف نعم وكانت لا منه وساما تدل على رجولته وكانت لا منه خير درس للناشئين يتعلمون منه الرجولة : يقتل المسائل بحثا ودرسا، ويعرف فيها موضع الصواب والخطأ، ومقدار النفع والضرر، ثم يقدم في حزم على عمل ما رأى واعتقد لا يعبأ بتصفيق المصفقين، ولا بذم القادحين ، إنما يعبأ بشيء واحد هو صوت ضميره، ونداء شعوره .
والعالم الرجل من أدى رسالته لقومه من طريق علمه، يحتقر العناء يناله في سبيل حقيقة يكتشفها أو نظرية يبتكرها، ثم هو أمين على الحق لا يفرح بالجديد لجدته، ولا يكره القديم لقدمه له صبر على الشك، وإغراء بالتفكير، وبطء في الجزم، وصبر على الشدائد وازدراء بالإعلان عن النفس وتقديس للحقيقة، صادفت هوى الناس أو أثارت سخطهم، جلبت مالا أو أوقعت في فقر، يفضل قول الحق وان أهين على قول الباطل وان كرم.
والصانع الرجل من بذل جهده في صناعته، فلم يشأ إلا أن يصل بصناعته إلى أرقى ما وصلت إليه في العالم، عشقها وهام بها حتى بلغ ذروتها ، يشعر بأنه وطني في صناعته كوطنية السياسي في سياسته وأن أمته تخدم من طريق الصناعة كما تخدم من طريق السياسة، وأن الصناعة لا تقل في بناء المجد القومي عن غيرها من شئون الدولة؛ فهو لهذا يحسن فنه، وهو لهذا يحسن سلوكه، وهو لهذا يرفض ربحاً كثيرًا مع الخداع، ويقنع بربح معتدل مع الصدق، وهو لهذا كله كان رجلا. وفي الرجولة متسع للجميع؛ فالزارع في حقله قد يكون رجلًا، والتلميذ في مدرسته قد يكون رجلا ، وكل ذي صناعة في صناعته قد يكون رجلًا، وليس يتطلب ذلك إلا الاعتزاز بالشرف واباء المذلة.